ابراهيم رفعت باشا
84
مرآة الحرمين
لا تعارض بينهما لأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب كله وانصبت قدماه أيضا مع سائر جسده ، قال ابن القيم : وعندي وجه آخر للجمع بينهما أحسن من هذا وهو أنه سعى ماشيا أوّلا ثم أتم سعيه راكبا ، وقد جاء ذلك مصرحا به ، ففي صحيح مسلم عن أبي الطفيل قال : قلت لابن عباس أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا أسنة هو ؟ فان قومك يزعمون أنه سنة قال : صدقوا وكذبوا قال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كثر عليه الناس يقولون : هذا محمد حتى خرج عليه العواتق من البيوت قال : وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يضرب الناس بين يديه فلما كثر عليه ركب والمشي أفضل . وأما طوافه بالبيت عند قدومه فاختلف فيه هل كان على قدميه أو كان راكبا ؟ والصحيح أنه طافه على قدميه لأنه ثبت عنه الرّمل فيه وهو إنما يكون من الماشي ، وأن الركوب كان في طواف الإفاضة . وكان صلى اللّه عليه وسلم إذا وصل إلى المروة « 1 » رقى عليها واستقبل البيت وكبر اللّه وحده وفعل كما فعل على الصفا ، فلما أكمل سعيه عند المروة أمر كل من لا هدى معه أن يحل حتما ولا بد قارنا كان أو مفردا ، وأمرهم أن يحلوا الحل كله من وطء النساء والطيب ولبس المخيط وأن يبقوا كذلك إلى يوم التروية ، ولم يحل هو من أجل هديه وهناك قال : لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها عمرة ، وهناك دعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا وللمقصرين مرة ، وهناك سأله سراقة بن مالك بن جعشم عقيب أمره لهم بالفسخ والإحلال هل ذلك لعامهم خاصة أو للأبد ؟ فقال : بل للأبد ولم يحل أبو بكر ولا عمر ولا علىّ ولا طلحة ولا الزبير من أجل الهدى ، وأما نساؤه صلى اللّه عليه وسلم فأحللن وكنّ قارنات إلا عائشة فإنها لم تحل من أجل تعذر الحل عليها بحيضها ، وفاطمة حلت لأنه لم يكن معها هدى ، وعلى رضى اللّه عنه لم يحل من أجل هديه ، وأمر من أهّل بإهلال كاهلاله صلى اللّه عليه وسلم أن يقيم على إحرامه إن كان معه هدى وأن يحل إن لم يكن معه هدى ، وكان يصلى مدّة مقامه بمكة إلى يوم التروية « 2 » بمنزله الذي هو
--> ( 1 ) المروة : مكان مرتفع في أصل جبل قعيقعان في الشمال الشرقي للمسجد الحرام على بعد منه وتحيط به الآن ثلاثة جدر في الشمال والشرق والغرب . ( 2 ) ثامن ذي الحجة وكانوا يعدون فيه الماء للسفر إلى عرفة .